الصفحة الرئيسيةالتلاوات القرآنيةالمحاضرات الصوتية
مكنبة المرئياتمكتبة الكتبمكتبة القصصمكتبة البرامجيوتيوب
مكتبة الفتاوىمكتبة الأناشيدسجل الزواردليل المواقعالفلاشات الدعويةمحرك البحثمراسلة الإدارة



بسم الله الرحمن الرحيم 

إن تصنيف الأجزاء الحديثة والفقهية واللغوية وغيرها في سائر العلوم والفنون لها ثمار كبيرة وفيها فوائد جليلة يستطيع المؤلف من خلالها الإلمام بمعظم مسائل الباب إن لم تكن كلها، ويستطيع أن يورد الأدلة ما لا يستطيعه في غيرها لأن الأجزاء أو الجزء لم يصنف إلا لتناول هذه المسألة ولم شعث أطرافها وعرض أدلة المختلين فيها- إن كان ثم اختلاف- ثم ترجيح ما يقتضي الدليل ترجيحه. ولما ألمسه من الفائدة من قراءة بعض هذه الأجزاء ومطالعتها رأيت أن أفرد بحوثاًَ مستقلة في مسائل متنوعة يكثر السؤال عنها، مبتدئا بمسألة مهمة وهي حكم قراءة الجنب للقرآن، فقد وقع في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم ما بين مبيح وحاظر، والأكثر من أهل العلم على المنع. وإن كان المعروف عند أهل المعرفة والتحقيق أنه لا تلازم بين قول الجمهور وبين الحق والصواب؛ فقد يكون الحق معهم- وهذه الأكثر في المسائل العلمية- وقد يكون الحق في جانب غيرهم. والمنصف دائماًَ يبحث عن الدليل؛ فما نصره الدليل اتبعه، وإن كان القائل به قليلا، وما لم يرد فيه الدليل أو كان دليله ضعيفاً تركه، وإن كان الأكثرون على القول به. وصاحب الحق الذي يبحث عنه ويتحراه لا يخلو من الأجر والأجرين؛ فإن أصاب الحق حاز الأجرين وإلا فله أجر واحد، بخلاف غيره ممن له مقاصد سيئة أو له تعصب لمذهب من ينتمي إليه؛ فإنه وإن أصاب الحق فإنه على خطر فكيف إذا كان الحق بخلاف قوله، والموافق من وفقه الله وهداه إلى صراط المستقيم.

 

الإجماع على جواز الذكر غير القرآن للمحدث

أعلم- وفقك الله - تعالى -لما يحب ويرضى- أن ذكر الله - تعالى -بما سوى القرآن مجمع على جوازه للجنب والحائض، فضلاًَ عن غيرهما، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة مشهورة؛ قال النووي - رحمه الله -: ((أجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والصلاة على رسول - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من الأذكار وما سوى القرآن- للجنب والحائض- ودلائله مع الإجماع في الأحاديث الصحيحة مشهورة.

 

جواز قراءة المحدث حدثاً أصغر للقرآن من غير مس له

أجمع أهل العلم على جواز قراءة القرآن للمحدث حدثاً أصغر؛ وأدلة ذلك كثيرة. منها حديث ابن عباس قال: (بت ليلة عند ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله في طولها، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلي). الحديث متفق عليه. وقد بوب عليه الإمام أبو عبد الله البخاري - رحمه الله - (باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره). وقد روى مالك في الموطأ بسند منقطع من طريق محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهم يقرؤون القرآن فذهب لحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: من أفتاك بهذا؟ أمسيلمة؟ قال ابن عبد الرحمن - رحمه الله -: ((وفي الحدث جواز قراءة القرآن طاهرا في غير المصحف لمن ليس على وضوء إن لم يكن جنبا وعلى هذه جماعة أهل العلم لا يختلفون فيه إلا من شذ عن جماعتهم ممن هو محجوج بهم، وحسبك بعمر في جماعة الصحابة وهم السلف الصالح. والأفضل للمسلم أن يتطهر لذكر الله تعالى؛ لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم وغيرهم بسند صحيح عن المهاجر بن قنفذ، أنه أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله - تعالى -ذكره إلا على طهر). وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي الجهيم قال: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد - عليه السلام -.

 

أقوال أهل العلم في حكم قراءة الجنب للقرآن

اعلم أن أهل العلم اختلفوا في قراءة الجنب للقرآن على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز قراءة شئ من القرآن مطلقاً.

القول الثاني: يجوز قراءة القرآن مطلقاً.

القول الثالث: يجوز قراءة الآية والآيتين والشيء اليسير ويحرم الكثير.

وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من أهل العلم. فأما القول الأول فإنه قول لبعض الصحابة وطائفة من أهل العلم ممن بعدهم. منهم الشافعية، فقد قال النووي - رحمه الله -: ((مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن قليلها وكثيرها، حتى بعض آية، بهذا قال أكثر العلماء. كذا حكاه الخطابي وغيره عن الأكثرين..... )).

أقول: قول الخطابي ذكره في معالم السنن، ولفظه (وأكثر العلماء على تحريمه). وعبارة الخطابي عامة يستفاد منها أن الجمهور يمنعون الجنب من قراءة القرآن، ولكن لا تدل عبارته على أن الجمهور يمنعون الآية فضلا عن بعضها. ونقله أيضاًَ عن الجمهور الإمام الترمذي - رحمه الله - في جامعه(1/ 236). ولكنه نقل عنهم استثناء طرف الآية والحرف ونحو ذلك. وقال شيخ الإسلام في الفتاوى(36/ 190): ((الجنب ممنوع من قراءة القرآن)) وقال - رحمه الله - في (21/ 268): ((والأربعة أيضاًَ وتنازعوا في قراءة الحائض وفي قراءة الشيء اليسير....... )).

أقول: والمنع مطلقا رواية عن الإمام أحمد ذكرها طائفة من فقهاء مذهبه وهو مذهب أبي حنيفة، كما في الهداية (1/ 644- البناية) وبه قال جماعة من التابعين كإبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما. واحتج أصحاب هذا القول بأدلة: 1- منها ما رواه أحمد (1/84)، وأبو داود(1/381- عون المعبود) والنسائي (1/144)، والترمذي (1/273)، وابن ماجة (594)، وغيرهم من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة، قال: أتيت على علي- رضي الله عنه - أنا رجلان فقال: كان رسول الله يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولا يحجزه من القرآن شئ ليس الجنابة، قال الترمذي - رحمه الله -: حديث علي حديث صحيح، وصححه الحاكم في مستدركه(1/152)، وقال الشوكاني في السيل الجرار (1/ 107): قد صححه جماعة من الحفاظ ولم يأت من تكلم عليه بشئ يصلح لأدني قدح....، وفيه نظر؛ فإن مدار الحديث على عبد الله بن سلمة. قال يحيى: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر؛ يعني أن عبد الله بن سلمة كان كبر حيث أدركه عمرو .، وهذه علة تمنع ثبوت الحديث. ولذلك قال البخاري - رحمه الله - في التاريخ الكبير(285)، في ترجمة عبد الله بن سلمة: لا يتابع في حديثه، والحديث ضعفه الشافعي والنووي. وقال الخطابي - رحمه الله - في معالم. السنن وكان أحمد بن حنبل يوهن حديث علي هذا ويضعف أمر عبد الله بن سلمة. وقال ابن المنذر في الأوسط(2/100): وحديث علي لا يثبت إسناده. أقول: ولو صح حديث علي فليس فيه تحريم قراءة الجنب للقرآن لأن الامتناع لا يدل على التحريم، ولو كان ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للقراءة تحريماً لبينه بياناً عاماً لأن الحاجة داعية إلى البيان والناس رجالا ونساء يبتلون بذلك، وقد في القواعد الأصولية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز: قال ابن المنذر في الأوسط(2/100): ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله لأنه لم ينهه عن القراءة فيكون الجنب ممنوعاً منه: وقال ابن حزم - رحمه الله - في المحلى(1/95) على حديث علي: ((وهذا لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه - عليه السلام - لا يلزم، ولا بين - عليه السلام - أنه إنما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وقد يتفق له - عليه السلام - ترك القراءة في تلك الحال ليس من أجل الجنابة.

 2- واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد في مسنده (1/110): عن عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط عن أبي العريف قال: ((أتي علي- رضي الله عنه - بوضوء فمضمض واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وغسل يديه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ثم مسح برأسه غسل رجليه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ. ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا ولا آية))، وهذا الحديث صريح في منع الجنب من قراءة القرآن وأنه لا يرخص له في قراءة الآية الواحدة فكيف بما زاد ولكن الحديث معلول. والراجح وفقه. فقد رواه الإمام الدارقطني في سننه (1/118) من طريق يزيد بن هارون حدثنا عامر بن السمط حدثنا أبو الغريف الهمداني فذكره عن علي موقوفاًَ. وهذا صحيح؛ لأن يزيد بن هارون أوثق من عائذ فوجب تقديم روايته على رواية عائذ. وقد صححه موقوفاً الإمام الدارقطني - رحمه الله - في سننه (1/118) فقال هو صحيح عن علي. أقول: الراوي عن علي أبو الغريف، واسمه عبيد الله بن خليفة الهمداني. قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان - رحمه الله - في الثقات() وذكره الإمام الفسوي في المعرفة والتاريخ (3/199). وقال عنه (وهو ثقة). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم كما في الجرح والتعديل (5/313): ((سئل أبي عنه. فقال: كان على شرطة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وليس بالمشهور. قلت: هو أحب إليك أو الحارث الأعور، قال الحارث أشهر وهذا قد تكلموا فيه، وهو شيخ من نظراء أصبغ بن نباتة)). قال الإمام ابن عبد الهادي - رحمه الله -: ((ولم يبين أبو حاتم من تكلم فيه لأبين الجرح ما هو . أقول: تبين الجرح لا يشترط مطلقاً في حق الأئمة الكبار الذين لا يعلم منهم الجرح بما لا يجرح كأبي حاتم والبخاري ونحوهما، وأما من علم منه الجرح بمجرد البدعة مثلا فهذا لا يقبل جرحه المجمل بل لا بد أن يبين جرحه وسببه، حتى ينظر فيه هل يؤثر أم لا. ثم اعلم أن جرح أبي حاتم لعبيد الله بن خليفة هو في الحقيقة جرح مفسر؛ لأنه جعله من نظراء أصبغ بن نباتة التميمي. وأصبغ كذبه أبو بكر ابن عباس. وقال يحيي ليس حديثه بشئ. قال النسائي متروك الحديث. وقال الدارقطني منكر الحديث. وقيل فيه غير ذلك مما يدل على ضعفه وعدم اعتباره. والذي يظهر من كلام الأئمة في أبي الغريف، أنه حسن الحديث. وأما قول الألباني في الإرواء (2/243): وتمام المنة (117)، ((لم يوثقه غير ابن حبان وهو مشهور بالتساهل في التوثيق)). فقد تقدم ما ينقضه لأن الإمام الفسوي وثقه أيضاً. ودعوى الألباني أن ابن حبان متساهل هكذا أطلق ولم يفصل دعوى بلا برهان لأن ابن حبان - رحمه الله - غاية ما عيب توثيقه للراوي الذي لم يرو عنه سوى راو واحد. ولم يوثقه أحد، وأما ما عدا ذلك فلم يعب عليه أحد من أهل العلم المعول عليهم في هذا الشأن بل إن الحافظين الذهبي وابن حجر قد رمياه بالتشدد في نقد الرجال في كتابه للمجروحين، وهذا ظاهر لمن قرأ كتابه المذكور، حتى أنه تكلم في محمد بن الفضل السدوسي الإمام الثفة والله أعلم. والحاصل أن أثر علي بن أبي طالب موقوف حسن قد صححه الدارقطني (1/118)، وأما رفعه فضعيف. ومن الأدلة أيضاً لأصحاب هذا القول.

 3- ما رواه الترمذي (1/236) وابن ماجه(595) وغيرهما من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي  (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) وهذا الحديث ظاهر الدلالة في تحريم قراءة الجنب للقرآن لصيغة النهي في قوله ((لا تقرأ)) والنهي يقتضي التحريم؛ إلا لصارف. ولكن لا يتم الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب حتى يثبت سنده، ولكن أني له الثبوت وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده، وبلده الشام. والأئمة الكبار يضعفون إسماعيل إذا روى عن غير أهل الشام. قال الإمام الترمذي - رحمه الله - في جامعه: ((وسمعت محمد بن إسماعيل يقول إن إسماعيل بن عياش يروى عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير؛ كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به. وقال إنما حديث إسماعيل عن أهل الشام)) . وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم . ((سمعت أبي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن عياش فقال: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح)). وقال أبو زرعة ((غلط في حديث الحجازيين والعراقيين)) . وقال البخاري: ((إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر)) . وكلامه الأئمة في تضعيف إسماعيل عن غير أهل بلده كثير، وما تقدم نقله عن البخاري وأحمد وأبي زرعة كاف في بيان حاله وعدم اعتباره في روايته عن أهل العراق والحجاز. وروايته في هذا الحديث عن موسى بن عقبة، وهو حجازي، وقد قال الإمام أحمد- رحمه الله - على حديثه هذا بعد ما سئل عنه: ((هذا باطل))، وقال شيخ الإسلام: ((وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث)) . وأما قول الشوكاني في السيل الجرار (1/108): ((وتضعيفه بإسماعيل بن عياش مندفع لوروده من طريق غيره، وهو أيضاً لم يقدم فيه بما يوجب عدم صلاحية حديثه للاحتجاج به)). ففيه نظر. فقد تقدم نقل بعض كلام الأئمة الكبار الذين عليهم المعول في هذا الشأن في تضعيف إسماعيل وأنه لا تقوم به حجة في روايته عن أهل الحجاز والعراق، وأما قوله ((لوروده من طريق غيره)). فجوابه أن جميع الطرق فيها ضعف ونكارة؛ فقد رواه الدارقطني في سننه (1/117) من طريق عبد الملك بن مسلمة حدثني المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً به. وهذا سند منكر لحال عبد الملك. قال عنه ابن يونس: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: هو مضطرب الحديث ليس بقوي. وقال أبو زرعة. ليس بالقوي منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي مناكير كثيرة. وله طريق آخر عند الدارقطني (1/118) من طريق رجل عن أبي معشر عن موسى بن عقبة به. وهذا سند لا تقوم بمثله حجة- للإبهام وضعف أبي معشر- فقد قال عنه يحيي بن معين: ((كان أميا ليس بشيء)). وقال أحمد بن حنبل: ((حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن أكتب حديثه اعتبر به)). وقال البخاري: ((لا أروي عنه شيئاً)). فهذا ما أشار إليه الشوكاني في قوله (من طريق غيره). وليس فيها ما يصلح متابعا لطريق ابن عياش، فالأمر كما قال أحمد - رحمه الله - ((هذا حديث باطل)).

4- واحتج أصحاب هذا القول أيضاً بقصة عبد الله بن رواحة مع زوجته وإقرار النبي لذلك. وهي قصة مشهورة مذكورة في كتب السير وبعض كتب العقائد، كرد الدارمي على الجهمية، وإثبات صفة العلو لابن قدامة. وقد جاءت القصة بألفاظ مختلفة ملخصها أن عبد الله بن رواحة مشى ليلة إلي أمة له فواقعها فلامته امرأته في ذلك فأنكر. وكانت قد رأت جماعه لها؛ على ما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب. ـ فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرأ القرآن، فقال:

شهدت بأن وعد الله حق *** وأن النار مثوى الكافرين

وفوق العرش رب العالمينا *** ملائكة الإله مسومينا

وأن العرش فوق الماء حق *** وتحمله ملائكة غلاظ

فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه، وفي بعض طرق هذه القصة جاء أن النبي أخبر بذلك فضحك ولم يقل شيئاً. وقد قال الإمام ابن عبد البر - رحمه الله - على هذه القصة: ((رويناها من وجوه صحاح)). وفي هذه القصة دليل على أنه متقرر بين الصحابة أن الجنب لا يقرأ القرآن، وأن هذا الأمر كان معلوما عند النساء والرجال. هذا على تسليم ثبوت هذه القصة. لكن الراجح عند أهل الحديث أن القصة ضعيفة السند وليس لها طريق صحيح عند جميع من رواها. وقول ابن عبد البر: ((رويناها من وجوه صحاح)) فيه نظر؛ فقد جاءت القصة عند الدرامي في الرد على الجهمية، وغيره من طريق قدامة بن إبراهيم ابن محمد بن حاطب أن عبد الله بن رواحة وقع بجارية له، فذكر القصة. قال الذهبي في العلو(42) (منقطع) أقول: وذلك بين قدامة وابن رواحة. قال النووي - رحمه الله -: ((إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع)). والأمر كما قال؛ فليس لهذه القصة سند يثبت، والله أعلم.

5-وقد روي الدارقطني - رحمه الله - في سننه (1/120) عن عبد الله بن رواحة (أن رسول الله نهى أن يقرأ القرآن وهو جنب) وسنده ضعيف فيه زمعة بن صالح، والراوي عنه إسماعيل بن عياش. وقد تقدم أن روايته عن غير أهل بلده ضعيفة وهذا منها. وفي السند علل أخرى لا نطيل بذكرها ما دام تبين ضعفه وعدم قيام الحجة به. ومن الأدلة أيضا لأصحاب هذا القول: 6- ما رواه الإمام عبد الرزاق - رحمه الله تعالى -في مصنفه (1/337) عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن عبيدة السلماني قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. وهذا سند صحيح إلى عمر - رضي الله عنه -. ورواه البيهقي - رحمه الله - في السنن الكبرى (1/89) من طريق أيوب بن سويد ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل أن عمر - رضي الله عنه -، فذكره. قال ورواه غيره عن الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن عبيدة عن عمر، وهو الصحيح. أقول: ورواية أيوب معلولة لوجهين: الأول: أن عبد الرزاق أوثق من أيوب وعند الاختلاف يقدم الثقة. والثاني: أن أيوب بن سويد قد ضعفه بعض أهل الحديث مطلقاً، منهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنسائي وغيرهم، وهذا يشكك في روايته إذا تفرد فكيف إذا خالف، ومنه يتبين أن رواية عبد الرزاق أصح. وبهذا يظهر أن الأثر إلى عمر صحيح، لأنه ممن يرى كراهية قراءة الجنب للقرآن، والكراهة في هذا الأثر يراد بها التحريم، وهذا الغالب في اصطلاح السلف الصالح. وترد الكراهة ويراد بها التنزيه. والاحتمالان موجودان في هذا الأثر إلا أن الأقرب للصواب عندي كراهة التحريم، وهذه الأدلة هي أقوى أدلة المانعين من قراءة القرآن للجنب مطلقاً، لا آية ولا بعض آية. وقد تبين مما سبق، أنه لا يصح في الباب شئ مرفوع إلى رسول الله.

ولكن قد قال بعض أهل العلم: إن الأحاديث بمنع الجنب من قراءة القرآن، وإن لم تصح بمفردها، فإنها ترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن لغيره. وهذا فيه نظر؛ بل الصحيح أنها لا تنتهض بمجموعها إلى درجة الحسن لغيره، لأن التحسين بالشواهد بابه ضيق عند الأئمة المتقدمين: كأحمد وإسحاق وابن معين والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ومن جاء بعدهم: كالدارقطني، فلا يحسنون إلا ما ظهرت قوته ولم يعارضه خبر صحيح، وقد وقع فيما بعد ذلك التساهل في تحسين بعض الأحاديث بالشواهد حتى مع وجود الخبر الصحيح المعارض لها، والله أعلم. وأقول: وقد صح في هذا الباب أثران موقوفان: الأول: أثر علي - رضي الله عنه -. الثاني: أثر عمر - رضي الله عنه -. وقد قال النبي  (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ.. ) الحديث، رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن العرباض بن سارية، وهو حديث صحيح. وفي صحيح الإمام مسلم (5/187 نووي) قال - صلى الله عليه وسلم - (فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا.. ). وعند الترمذي (5/569) عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ذلك الترمذي - رحمه الله -.

 

وأما القول الثاني، وهو قول من قال: يجوز للجنب قراءة القرآن مطلقاً، فقد ذهب إليه جماعة من أهل العلم منهم حَبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس - رضي الله عنه -. فقد ذكره عنه البخاري - رحمه الله - في صحيحه تعليقاً مجزوماً بصحته فقال: "ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً". وروى ابن المنذر في الأوسط (2/98) من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس: "أنه كان يقرأ ورده وهو جنب". وروى عن أبي مجلز قال: دخلت على ابن عباس فقلت له: أيقرأ الجنب القرآن؟. قال دخلتَ علىّ وقد قرأت سُبع القرآن وأنا جنب. وروى عن ابن حزم في المحلى (1/96) عن نصر الباهلي قال: "كان ابن عباس يقرأ البقرة وهو جنب"، وسنده ضعيف لأن الراوي عن الباهلي يوسف السمتي وهو ضعيف بل كذبه يحيى بن معين. والقول بالجواز مطلقاً جاء أيضاً عن جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، فقد روى عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن محمد بن طارق قال: سألت ابن المسيب: أيقرأ الجنب شيئاً من القرآن؟ قال: نعم. وروى ابن حزم في المحلى (1/96) عن حماد قال سألت سعيد بن المسيب عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ فقال: كيف لا يقرؤه وهو في جوفه. وفيه يوسف بن خالد السمتي لا يحتج بخبره. ومنهم سعيد بن جبير، فقد روى عنه ابن حزم في المحلى (1/96) من طريق شعبة عن حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ فلم ير به بأساً وقال: أليس في جوفه القرآن؟ وحماد بن أبي سليمان فيه كلام لأئمة الجرح والتعديل. قال عنه شعبة: كان صدوق اللسان. وقال النسائي: ثقة. وضعفه ابن سعد وغيره، والكلام فيه يطول، وهو صدوق اللسان، وقد يهم، ومثله حسن الحديث إلا أن يخالف. والقول بجواز قراءة الجنب للقرآن مطلقاً رجحه طائفة من المحققين. وهو مذهب داود والطبري، ورجحه ابن حزم وابن المنذر، كما في الأوسط (2/100)، وروى هذا القول عن مالك، وهو ظاهر تبويب البخاري في صحيحه. فإنه قال: "باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت"، وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله في كل أحيانه. وقالت أم عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرون بتكبيرهم ويدعون. وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ فإذا فيه (بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ ﴾... ) الآية. وقال عطاء عن جابر: حاضت عائشة فنسكت المناسك غير الطواف بالبيت ولا تصلي. وقال الحكم: إني لأذبح وأنا جنب. وقال الله - تعالى -: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ (الأنعام: 121). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/407) مبيناً مراد البخاري من هذه الترجمة: "والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعا لابن بطال وغيره" إن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة - رضي الله عنها - لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة. وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شئ من ذلك، فكذلك الجنب، لأن حدثها أغلظ من حدثه. ومنع القراءة إن كان لكونه ذكراً لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبداً فيحتاج إلى دليل خاص. ولم يصح عند المصنف شئ من الأحاديث الواردة في ذلك؛ وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره ولكن أكثرهم قابل للتأويل كما سنشير إليه. ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود، بعموم حديث "كان يذكر الله على كل أحيانه" لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره. وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف...

أقول: وما قرره الحافظ - رحمه الله - هنا في مراد البخاري هو الظاهر لمن أمعن في صنيع البخاري - رحمه الله - في كثير من تراجمه، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري). فيه دلالة ظاهرة على جواز قراءة الحائض للقرآن لأن من شأن الحاج قراءة القرآن، ولم يرد في منع الحائض من قراءة القرآن شئ صحيح، فيؤخذ بعموم الخبر المتقدم حتى يرد ما يخصصه من صحيح الأخبار. 1- كما أن قول عائشة والحديث مخرج في صحيح مسلم من طريق البهي عن عروة عن عائشة قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه) ، فيه دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحجزه شئ عن قراءة القرآن، لا جنابة ولا غيرها، لأن كلمة "أحيان" نكرة أضيفت إلى معرفة فتفيد العموم، كما ذكر ذلك جماعة من أهل الأصول. وقد قال صاحب مراقي السعود في باب العام ذاكراً ما يفيد العموم: وما معرفا بأل قد وجدا أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى والعام يجب الأخذ به حتى يرد ما يخصصه، فإن كان ثم مخصص عن الشارع، وإلا فيستصحب عموم النص. والأحاديث المرفوعة في منع الجنب من قراءة القرآن كلها معلومة كما تقدم بيان ذلك. فلذلك لا تصلح لتخصيص حديث: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه). وقول الصحابي لا يخصص المرفوع. فلذلك لا يصح أن يقال إن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - يخصصان حديث عائشة. وهذا لو لم يوجد لهما مخالف، فكيف وقد خالفهما ابن عباس وجوز ما منعاه. وأما لو لم يكن في الباب شئ من المرفوع يدل على الجواز، ولم يوجد مخالف لعمر وعلي لوجب الأخذ بقولهما، وعلى ذك تدل الأحاديث الصحاح، وقد سبق ذكر بعضها والله أعلم.

2- ويحتج.. أيضاً لمن جوز قراءة القرآن للجنب بحديث ابن عمر في الصحيحين قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق آناء الليل وآناء النهار). قوله "آناء الليل وآناء النهار" فيه دلالة على عدم منع الجنب من قراءة القرآن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدحه بالقيام به آناء الليل وآناء النهار، ولم يستثن - صلى الله عليه وسلم - حالة من حالة أو وقتاً من وقت مع احتمال كونه جنباً. وقد جاءت الأخبار الصحاح بالنهي عن قراءة القرآن بالركوع والسجود فخص ذلك من عموم الحديث عند أهل العلم، ولم يأت أخبار صحاح تقوم بها حجة على تخصيص الجنب بالمنع، فلو كان الجنب ممنوعاً من قراءة القرآن لنقل ذلك إلينا بأحاديث صحاح يعرفها العام والخاص، لأن الجنابة مما لا مناص لبني آدم عنها، ويحتاج الناس لبيان ما يجوز فيها وما لا يجوز، فلما لم يقع هذا الأمر ولم يرد حديث صحيح في منع الجنب من القراء ة مع بيان ما هو دون ذلك في الابتلاء.

3- وجب علينا استصحاب البراءة الأصلية والأخذ بالأدلة العامة الدالة على مشروعية المداومة على الذكر في الليل والنهار، ومن جملة الذكر قراءة القرآن والله أعلم.

 4- ومما يحتج به أيضاً لهذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض الأحيان ينام وهو جنب ولا يزيد على أن يتوضأ. ففي صحيح الإمام مسلم (3/216 نووي) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة). وفيه أيضاً عن عبد الله بن أبي قيس قال: "سألت عائشة عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث. قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام. وعن أبي سلمة قال: سألت عائشة: "أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم، ويتوضأ" رواه البخاري (1/392 - فتح)، وفي الباب غير ذلك. فإذا علم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينام بعض الأحيان وهو جنب، فليعلم أنه كان لا يدع قراءة قل هو الله أحد والمعوذتين وذلك كل ليلة. ففي الصحيحين، واللفظ للبخاري (9/62 - الفتح) عن عائشة - رضي الله عنها -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما (قل هو الله أحد) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات) ففي الحديث دلالة وإن لم تكن قوية على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ القرآن بعض الأحيان وهو جنب. وأن الجنابة لا تمنعه من قراءة القرآن، لما أفادته عائشة - رضي الله عنها - في قولها "كل ليلة". وقد أخبرت فيما تقدم من الأخبار الصحاح أنه كان يرقد وهو جنب إذا توضأ. فإذا ضمت دلالة هذا الحديث مع الأحاديث المتقدمة، مع استصحاب البراءة الأصلية، وأنه لا يمنع من قراءة القرآن في سائر الأحوال مانع إلا ما قام الخبر الصحيح على منعه وهو متعذر هنا- أفاد ذلك قوة القول بقراءة الجنب للقرآن، وأن أهل هذا القول أسعد بالدليل من المانعين والله أعلم.

 

القول الثالث في المسألة قول من قول يجوز قراءة الآية والآيتين ونحوهما. وأصحاب هذا القول يوافقون أصحاب القول الأول في المنع من استدامة القراءة للجنب، وأدلتهم هي أدلة أصحاب القول الأول في الجملة. وقد وقع بين أصحاب هذا القول خلاف فيما يجوز قراءته، فبعضهم لم يرخص إلا بعض آية كما هو قول لأحمد. قال الطحاوي: فبذلك نأخذ، فنكره للجنب والحائض قراءة الآية تامة، وجاء هذا القول عن بعض التابعين. ورخص مالك وطائفة من أهل العلم في قراءة الآية والآيتين. وجاء عن الأوزاعي أنه قال لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن إلا آية الركوب إذا ركب قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف: 13- 14]، وآية النزول: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 29].

أقول: التخصيص في هذين الموطنين لا دليل عليه وليس له وجه من النظر. وأما من جوز قراءة الآية أو الآيتين ومنع ما عدا ذلك- فلا يستقيم هذا القول على أصله، لأنه قد أخذ بأدلة المنع، وهي أدلة عامة ليس فيها تخصيص للآية ولا لبعض آية. إلا إذا كان لا يقصد القراءة، كأن يقصد بذلك الدعاء، فهذا جائز ولا شئ فيه سواء أقرأ قليلاً أم كثيراً. قال الإمام ابن حزم - رحمه الله - في المحلى (1/95): "وأما من قال يقرأ الجنب الآية أو نحوها، أو قال لا يتم الآية، أو أباح للحائض ومنع الجنب فأقوال فاسدة، لأنها دعاوى لا يعضدها دليل لا من قرآن، ومن من سُنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس، ولا من رأي سديد، لأن بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى.. ". أقول: قد احتج بعض أهل العلم بتخصيص الآية والآيتين بحديث ابن عباس عن أبي سفيان، أن هرقل دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد.. فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾  أقول: والاستدلال بهذا الحديث على جواز قراءة الآية والآيتين فيه نظر من وجوه: الوجه الأول: أنه قد قيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب هذا الكتاب إلى هرقل قبل نزول آية آل عمران ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ... ﴾ [آل عمران: 64]. أي فلم تكن حينئذ من القرآن، لأن نزول الآية قيل إنه في قصة وفد نجران، وقصة أبي سفيان وقعت قبل ذلك بثلاث سنين، فعليه لا يتم الاستدلال بهذا الحديث. الوجه الثاني: أننا لو فرضنا أن الآية نزلت متأخرة، وقصة أبي سفيان وقعت بعد نزول الآية أو أن الآية نزلت مرتين، فليس في الحديث دليل ظاهر على أنه قصد التلاوة وإذا لم يقصد التلاوة فليس هناك شئ يمنع من ذلك. الوجه الثالث: لو فرضنا أنه قصد التلاوة، فهذا من باب الحاجة، فلا يمكن دعوتهم إلا بذلك، فلا يكون دليل على تخصيص الجواز بالآية أو الآيتين إنما يقيد بالحاجة. وعلى جميع هذه الأوجه الثلاث لا يتم المطلوب لمن رخص في قراءة الآية أو الآيتين مطلقاً ومنع ما عدا ذلك والله أعلم. والحاصل: أن القول الثالث ليس عليه دليل، والتخصيص بغير مخصص لا يقبل، فيبقى تردد الخلاف في القوة في قولين، إما الجواز مطلقاً، وإما المنع مطلقاً.

والذي يظهر من الأدلة الجواز مطلقاً، وذلك لوجوه:

الوجه الأول: استصحاب الأصل، وأن المسلم لا يمنع من قراءة القرآن إلا بدليل صحيح، وهذا متعذر هنا. الوجه الثاني: عموم حديث عائشة المخرج في مسلم: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه). ولا مخصص له، والذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو غيره.

الوجه الثالث: ضعف جميع الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منع الجنب من قراءة القرآن، على أن الدليل الأول وهو أقواها عند المانعين لو صح لم يكن فيه حجة على تحريم القراءة على الجنب كما سبق بيانه. وهذا آخر الجزء في حكم قراءة، الجنب للقرآن، وأما الحائض، فإنها من باب أولى ألا تمنع من قراءة كما هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين، واختاره الطبري وابن المنذر وابن القيم - رحمهم الله -. والأصل عدم شغل الذمة إلا بدليل صحيح، والدليل الصحيح على منعها من قراءة القرآن غير موجود، كما تعذر وجوده في الجنب، ولا نحرم إلا ما ظهر برهانه لأنه الله يقول: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.

قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "فلو منعت [يعني الحائض] من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها، وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث: (لا تقرأ الحائض والجنب شيئاً من القرآن) لم يصح، فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث...".أقول:وقد تقدم بيان علته وبيان عدم صلاحيته للحجة. والحمد لله رب العالمين.


تاريخ الإضافة : 7/8/2010
الزيارات : 592
رابط ذو صله : http://www.shomoo5.com
الكاتب :
القسم :

التعليقات على الماده


أضف تعليقك














جميع الحقوق محفوظة لمكتبة شموخ الإبداع الإسلامية
Powered by: Islamec magazine V6 bwady.com - nwahy.com